أبنائي لا يطيعونني .. ماذا أفعل

0

يتوقع الأهل الطاعة العمياء من أطفالهم ، ويبذلون مجهودا كبيرا  لكي يتمكنوا من إرغامهم على تنفيذ أوامرهم ، وكثيرا ما نسمع الأم تقول لابنها أو لابنتها « عليك القيام بذلك لأنني طلبت منك ذلك » ، هذه العبارة غالبا ما تكون غير مجدية ، فعندما تصرخ الأم في وجه طفلها « قم بذلك » ، تتوقّع منه أن يطيعها كالحمل الوديع ، وكم تودّ لو ينفّذ طلبها من دون تذمر أو شكوى أو اختلاقٍ للحجج .

فاستخدام القوة مع الطفل يؤدي إلى مقاومة ورفض يجعلانه « غير مهذب » في نظر الأهل الذين يبدون متوترين بعدما استنفدوا جميع وسائلهم التربوية ، وفي المقابل نجد الكثير من الأطفال ممن يتجاوبون مع أهلهم وينفذون رغباتهم بكل سرور .

فلماذا يرفض بعض الأطفال تنفيذ طلبات أهلهم ؟

يؤكد علماء نفس الطفل أن رفض الطفل ظاهرة طبيعية ، خصوصا عندما يدرك ما يحيط به فيكون الرفض عنده أحد أشكال التعبير عن ذاته المستقلة ، لذا تتطلب تربية الطفل اليوم من الأم الكثير من الدراية بحاجاته حتى تستطيع تقويم سلوكه في حضورها وفي غيابها على حد سواء .

وهذا لا يعود عليها بالفائدة وحدها ، بل على الطفل أيضاً ، فالطفل ذو السلوك الجيد يشعر بالثقة ، وباحترام الذات ، وبقدرته على تدبير أموره بشكل جيد ، فعوضاً عن شعوره بالخنوع بسبب صراخ أمه سيشعر بالفخر لأنه يعيش مع أهله بمحبة .

كيف يمكن إرساء القوانين المنزلية ؟

لا شك في أن وضع حدود لتصرفات الأبناء من الأمور المهمة في التربية الصحيحة ، ومن المعروف أن الأبناء يسعون إلى كسب رضا الأهل إذا كانت تعليماتهم واضحة .

غير أن الأهل قد يشعرون بأنهم عاجزون عن تطبيق القواعد التي وضعوها ، فهم يتكلمون كثيراً ويصبحون عاطفيين أحياناً وغير قادرين على تطبيقها بحزم ، لذا لا بد لهم من اتباع استراتيجية محددة في وضع قوانين المنزل ونظمه .

بعض النصائح لوضع الاستراتيجية

في الطفولة المبكرة

يتعلم الطفل خلال سنواته الأولى في الحضانة معنى الروتين وقواعد السلوك الضرورية في الحياة ، وغالباً ما يكون روتين الحضانة مرناً وغير صارم ، مما يجعله متجاوبًا معه .

فالطفل في هذه المرحلة المبكرة من العمر يكون كالإسفنجة إذا صح التعبير يستوعب كل ما يتلقاه ، ويختزن في ذاكرته كل الأمور الجيدة منها والسيئة ، التي تظهر في ما بعد في تصرفاته وفي سلوكه الاجتماعي .

الإيجابية والتقرب أقصر الطرق

يؤكد التربويون أن تقرّب الأم من طفلها ومخاطبته بشكل إيجابي هما من أنجع الوسائل التي تجعله مطيعاً ، وهذا يتطلب من الأم اقتناعاً تاماً بفائدتهما ومحاولة مستمرة في تطبيقهما في مختلف الظروف ، فقبل أن تطلب من طفلها القيام بأمر ما ، عليها ملاحظة ما يقوم به ومن ثم إرشاده إلى ما عليه القيام به لاحقاً ، « أحسنت .. أنهيت طبق الطعام ، يمكنك الآن تناول تفاحة لذيذة » ، فهذا الأمر يعزز ثقة الطفل بنفسه ويجعله يفخر بما قام به ، مما يدفعه إلى القيام بالعمل التالي برحابة صدر .

والإقتراب من الطفل ضروري عندما تطلب الأم منه أمراً ، فمثلاً عوضاً عن مناداته من الغرفة الثانية كي يتناول الغداء ، عليها التوجه إليه مباشرة ومرافقته بلطف إلى غرفة الطعام .

السلوك الفوضوي يتطلب ترويضاً

لا يؤدي عزل الطفل أحياناً إلى جعله مطيعاً ، ويمكن للأم إحراز تقدم في ترويض سلوك طفلها الفوضوي من طريق متابعة كل ما يقوم به ، فمثلاً إذا كان طفلها يقفز على الكنبة ، يمكنها أن ترشده إلى المكان الذي يمكنه القفز فيه .

وإذا كان يرسم على الجدار ، يمكنها أن تبعد أقلام التلوين ، على أن تعلمه في المرة التالية أين يمكنه استعمال أقلام التلوين تلك ، وإذا كانت تريده أن ينزل عن طاولة الطعام ، يمكنها أن تقول « لن أسمح لك باللعب على الطاولة .. هل تريد النزول وحدك أم تريد مساعدتي » .

وضع قواعد يلتزمها في الأمكنة العامة

ترتبك الأم من تصرف طفلها الفوضوي الذي يزعجها ويزعج الآخرين ، وعندما تطلب من إبنها الهدوء ، لا تجد منه آذاناً صاغية ، لذا من الأفضل للأم أن تحضر طفلها مسبقاً قبل الذهاب إلى بيت الجدة ، أو إلى الحديقة العامة بأن تقول له ما يتوجب عليه فعله ، فإذا كانا سيذهبان في اليوم التالي إلى بيت الجدة بمناسبة العيد ، عليها أن تقول له مثلاً « عندما نذهب إلى بيت الجدة غداً أتوقع منك ألا تركض طوال الوقت وتزعج الآخرين » ، أما إذا أرادت اصطحابه إلى المتجر حيث يوجد الكثير من الأمور التي تثير فضول الطفل ، على الأم أن تطلب من زوجها أو جارتها مرافقتها كي تتمكن من مراقبة طفلها إذا انشغلت بأمر ما .

وإذا لم تعد تستطع التحكّم في تصرفات طفلها ، عليها إبعاده عن المكان فوراً ، وأن لا تحاول توبيخه أمام الغرباء ، فهذا يزيده تعنتاً ، بل عليها أن تنتظر اللحظة التي يهدأ فيها وتحدّثه بلهجة هادئة وصارمة في الوقت نفسه مبينة له مساوئ تصرفاته ، وكيف أن الآخرين سوف ينفرون منه فور رؤيته ، فهي بذلك تمنحه فرصة تقويم نفسه .

الطلب واضح والفعل أوضح

كثيراً ما تطلب الأم من طفلها أموراً عامة فلا يستطيع تحديد ما الذي يجب القيام به ، ما يشعره بالإرتباك وعدم القدرة على تنفيذها ، لذا من المهم جداً أن تكون واضحة في ما تطلبه ، فمثلاً بدل أن تطلب منه ترتيب غرفته ، عليها أن تطلب منه تحديد ما الذي يجب ترتيبه ، هل هو السرير أم توضيب الثياب ، كما عليها أن تعلمه كيفية القيام بأمر ما ، فمثلاً يمكنها أن تريه كيفية تنظيف الأسنان بأن تنظف أسنانها أمامه .

وضع خيارات عدة

في حالات كثيرة يمكن للأم أن تضع لطفلها خيارات محددة لكي ينفذ تعليماتها ، فمنح الطفل حرية الاختيار بين أمور محددة  يجعله يشعر بالقوة والسيطرة اللتين تخففان من حدة معارضته ، فمثلاً عندما يحين وقت الاستحمام ، يمكنها أن تقول له « حان وقت الاستحمام ، هل تفضل أخذ حمام سريع ، أم تفضل أن أملأ لك المغطس بالماء والصابون ؟ » ، « حان وقت الذهاب إلى المدرسة ، هل تريد مني أن أجهز لك ملابسك ، أم تفضل تحضيرها بنفسك ؟ » ، فهذه الطريقة كفيلة بأن تجعله يشعر بالحرية ضمن حدود معينة تفرضها الأم .

الحزم في الطلب

يعتبر الحزم الطريقة المثلى كي يطيع الطفل تعليمات أمه ، شرط أن تصحبه نبرة ونظرة جدّيتان توحيان للطفل بعواقب عدم الطاعة وضرورة التقيد بتعليمات والدته .

فالليونة في توجيه التعليمات تجعل الطفل يشعر بأنه غير ملزم بتطبيقها ، فمثلاً عندما تقول الأم له « لِمَ لا تذهب إلى غرفتك ! » ، تُشعره بأن ما تطلبه ليس واجباً عليه القيام به ، لذا فإن الحزم هو الحل الوسط بين الليونة والعنف .

البقاء على الحياد

عندما تقول الأم لابنها « أريدك أن تذهب إلى الفراش » ، فهي ربما تُنشئ نزاعاً بينها وبينه ، الطريقة المثلى هي وضع قوانين موضوعية كأن تشير إلى الساعة وتقول له « إنها الساعة الثامنة ، حان وقت النوم » ، هكذا يكون النزاع والشعور بالغبن بين الطفل والساعة بدل أن يكون بينه وبين أمه ، وهكذا سوف يكره الطفل القوانين وليس أهله .

تفسير أهمية التقيد بقوانين المنزل

عندما يفهم الطفل أن تطبيق القوانين المنزلية هو من أجل مصلحته ومصلحة الآخرين فسيطيعها عوضاً عن رفضها ، لأنه سوف يدرك أهميتها في تطوير شخصيته وسلوكه ، ولكن على الأم أن تتجنب الشرح المطوّل وليكن مختصراً كأن تقول له مثلاً : « ممنوع الضرب لأن ذلك يؤذي الآخرين » .

نقد السلوك وليس الطفل

عندما يقوم الطفل بتصرف غير لائق ، على الأهل أن ينتقدوا سلوكه كأن تقول الأم له مثلاً « ممنوع الضرب » ، ولا تقول له « أنت ولد سيئ » . ويؤكد التربويون ضرورة تجنب نعت الطفل بصفة ما ، فهذا يجعله يتمادى في تصرفاته غير آبه بالعواقب .

التحكّم في المشاعر

تؤكد الدراسات التربوية أنه عندما يكون الأهل في حالة غضب يعاقبون أبناءهم عقابًا شديداً ، سواء كان شفهياً أو جسدياً ، لذا عليهم أن يتعلموا السيطرة على مشاعر الغضب وأن يؤجلوا العقاب إلى أن يصبحوا في حالة أكثر هدوءاً تمكّنهم من السيطرة على تصرفات أطفالهم في شكل عقلاني ومرن .

قد يواجه الأهل صعوبة في تطبيق هذه الاستراتيجية التربوية في بادئ الأمر ، لذا فإن ذلك يتطلب منهم الصبر والتعقل كي يكونوا المرشدين الحقيقيين لأطفالهم ، فكلما ساد التفاهم والتعاون بينهم وبين أبنائهم ، قويت علاقة العائلة واشتدت أواصرها .

مشاركة عبر :

التعليقات مغلقة